سمى الله تبارك وتعالى نبيه سراجاً منيراً فقال عز وجل: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً (سورة الأحزاب الآيتان: 45-46) . قال ابن دحية: سمي سراجاً لإضاءة الدنيا بنوره، ومحو الكفر وظلامه بنوره . وقال غيره: سمي سراجاً، لأن دينه يضيء بين الأديان كالسراج في الليلة المظلمة . وقيل: لأنه يهتدى به إلى الإيمان، ومعرفة الله، كما يهتدى في الظلمة بضوء السراج .

وفي كتاب سبل الهدى والرشاد للصالحي، قال العزفي: قال علماؤنا: إنما سمي سراجاً، لأنه السراج الواحد توقد منه السرج الكثيرة فلا ينقص ذلك من ضوئه شيئاً، وكذلك سرج جميع الطاعات أخذت من سراج محمد صلى الله عليه وسلم ولم ينقص ذلك من أجره شيئاً .

ويشير الدكتور عاطف قاسم المليجي في كتابه أسماء النبي في القرآن والسنة إلى ما قاله بعض الأئمة لوصف معنى السراج: وهو النور في نفس المنير لغيره، وهو صلى الله عليه وسلم كذلك فهو السراج الكامل في الإضاءة لوضوح أمره وبيان نبوته وقد نور قلوب المؤمنين والعارفين بما جاء به، ومن نوره صلى الله عليه وسلم اقتبست جميع الأنوار السابقة على ظهوره الصوري واللاحقة له، من غير مانع ولا حجاب ولا كلفه، وفي غيبته الصورية لم يغب الاستمداد من نوره بل هو موجود في الفروع المقتبسة منه سابقة ولاحقة .

قال البوصيري رحمه الله:

أنت مصباح كل فضل فما تص

در إلا عن ضوئك الأضواء

ولاشك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنار الطريق في كل جانب من جوانب الحياة، فأوضح بتوفيق ربه العقائد والعبادات والمعاملات والتوجيهات، وأوضح الوسيلة والغاية، وبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وهدى إلى صراط مستقيم .

أحسن الناس وجهاً

يشير الدكتور عاطف قاسم المليجي في كتابه أسماء النبي في القرآن والسنة إلى أن الله سمى نبيه نورا قال تعالى: قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (سورة المائدة الآيتان: 15- 16) .

وأنار الله به الحق وأظهر به الإسلام ومحق به الشرك وأدرك به المؤمنون حقيقة دين الله . وإذا كان الله تعالى قد وصف القرآن الكريم بأنه نور فإن هذا لا يتعارض مع أن النبي نور، لأن النبي هو المظهر الأكمل للقرآن ببيانه له، وتخلقه به، حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها كان خلقه القرآن . وكما خص الله نبيه صلى الله عليه وسلم بنور النبوة والرسالة وضوء الدعوة والهداية جعل له نوراً في وجهة وجسمه فكان أحسن الناس وجهاً وأنورهم طلعه .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه بأن يملأ عليه حياته ودنياه بالنور والضياء فكان يقول اللهم أجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، ومن أمامي، ومن خلفي نوراً .

ويقول الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه النهجة السوية في الأسماء النبوية . قال تعالى: وقد جآءكم من الله نور وكتاب مبين (سورة المائدة الآية 15) . قال جماعة: النور هنا: محمد صلى الله عليه وسلم وقال الله تعالى: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة (سورة النور الآية 35) . قال ابن جبير، وكعب الأحبار: المراد بالنور الثاني محمد صلى الله عليه وسلم .

وأخرج ابن أبي حاتم: عن عكرمة قال: لما ولد النبي صلى الله عليه وسلم أشرقت الأرض نوراً، وقال إبليس: لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا . وقال له جنوده: فلو ذهبت إليه فخبلته!! فلما دنا النبي صلى الله عليه وسلم بعث الله جبريل فركضه فوقع بعد .

مولد الفضيلة

يقول الدكتور رمضان المحلاوي في كتابه من أخلاق الإسلام: كان ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم حدثاً عظيماً، فقد كان مشرق النور ومولد الفضيلة، وبداية تاريخ حافل بالمآثر زاخر بالبطولات والأمجاد، فأصبح ذلك اليوم على الدهر وعلى الأيام غرة الأيام، وسيبقى خالداً في نفوسنا ورمزاً في جباهنا، فهو مطلع شمس التغيير الشامل ومبعث الوحدة والعزة والكرامة لأقوام كانوا من قبل في ضلال مبين، فأي نعمة أسمى مقاماً من هذه النعمة التي أنعم الله بها على عباده؟ فمن حق أمته أن تبتهج في ذكراه العطرة وحق له أن يحظى بهذا الاهتمام من أمته التي جاء إليها حريصاً على هدايتها ورشادها، فأشرقت الأرض بنور الإيمان الذي أخرجها من الظلمات إلى النور، ومن الجهالة إلى العلم، ومن الغفلة إلى اليقظة، وانتشلها من أوحال الخرافات والأهوال إلى الحياة الفاضلة في ظل الدين القيم والمنهج المستقيم الذي أزال الغشاوة وبدد الظلام وهدى العقول إلى الصواب .

ومن أسماء النبي صلي الله عليه وسلم النجم الثاقب ذكره عياض، وابن دحية، وقالا: قال السلمي في قوله تعالى: النجم الثاقب: هو محمد صلى الله عليه وسلم وقال جعفر الصادق في قوله تعالى: والنجم إذا هوى: هو محمد صلى الله عليه وسلم وقال: النجم: قلبه، وهوى: انشرح من الأنوار وانقطع عن غير الله . والثاقب (المضيء)، وهو صلى الله عليه وسلم الشمس ذكر في سبل الهدى والرشاد للصالحي إن الشمس في الأصل: الكوكب النهار، وسمي بها صلى الله عليه وسلم إما لظهور شريعته، أو لعلوه ورفعته، وهو كذلك القمر قال الصالحي في سبل الهدى والرشاد: قال البلقيني: القمر: الكوكب المعروف، وإنما يسمى بذلك إذا امتلأ ومضى عليه ثلاث ليال، لأنه يقمر ضوءه ضوء الكواكب حينئذ ويفوز، وقبل ذلك يسمى هلالاً، وسمي به صلى الله عليه وسلم لأنه جلا ظلمة الكفر بنور الهداية . وفي قصص الكسائي: أن الله تعالى قال موسى عليه السلام: إن محمداً صلى الله عليه وسلم هو البحر الزاخر، والقمر الباهر .